والعقلي : ما يدرك بالبصيرة ، كالإخبار عن الغيب تعريضا وتصريحا ، والإتيان بحقائق العلوم التي حصلت عن…
انتشار: 2026/07/10 19:13 UTC
والعقلي : ما يدرك بالبصيرة ، كالإخبار عن الغيب تعريضا وتصريحا ، والإتيان بحقائق العلوم التي حصلت عن غير تعلم . فأما الحسي : فيشترك في إدراكه العامة والخاصة ، وهو أوقع عند طبقات العامّة ، وآخذ بمجامع قلوبهم ، وأسرع لإدراكهم ، إلّا أنه لا يكاد يفرق - بين ما يكون معجزة في الحقيقة ، وبين ما يكون كهانة أو شعبذة أو سحرا ، أو سببا اتفاقيا ، أو مواطاة ، أو احتيالا هندسيا ، أو تمويها وافتعالا - إلّا ذو سعة في العلوم التي يعرف بها هذه الأشياء . وأما العقلي : فيختص بإدراكه كملة الخواص من ذوي العقول الراجحة ، والأفهام الثاقبة ، والروية المتناهية ، الذين يغنيهم ، إدراك الحقّ . وجعل تعالى أكثر معجزات بني إسرائيل حسيّا لبلادتهم ، وقلّة بصيرتهم ، وأكثر معجزات هذه الأمّة عقليا لذكائهم وكمال أفهامهم التي صاروا بها كالأنبياء . ولذلك قال عليه الصلاة والسلام : « كادت أمتي تكون أنبياء » « 1 » . ولأن هذه الشريعة لما كانت باقية على وجه الدهر غير معرّضة للنسخ ، وكانت العقليات باقية غير متبدلة جعل أكثر معجزاتها مثلها باقية . وما أتى به النبي ( صلى اللّه عليه وآله ) من معجزاته الحسيّة ، كتسبيح الحصا في يده ، ومكالمة الذئب له ، ومجيء الشجرة إليه ، فقد حواها وأحصاها أصحاب الحديث . وأما العقليات : فمن تفكر فيما أورده ( عليه السلام ) من الحكم التي قصرت عن بعضها أفهام حكماء الأمم بأوجز عبارة اطلع على أشياء عجيبة . ومما خصه اللّه تعالى به من المعجزات القرآن : وهو آية حسيّة عقلية صامتة ناطقة باقية على الدهر مبثوثة في الأرض ، ولذلك قال تعالى :وَقالُوا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آياتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ ، وَإِنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ . أَ وَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ« 1 » ودعاهم ليلا ونهارا مع كونهم أولي بسطة في البيان إلى معارضته ، بنحو قولهوَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ . وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ« 2 » وفي موضع آخر :وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ« 3 » وقال :قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً« 4 » .فجعل عجزهم علما للرسالة ، فلو قدروا ما أقصروا ، إذ قد بذلوا أرواحهم في إطفاء نوره وتوهين أمره ، فلما رأيناهم تارة يقولون :لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ« 5 » وتارة يقولون :لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هذا« 6 » ، وتارة يصفونه بأنهأَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ« 7 » وتارة يقولونلَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً« 8 » وتارة يقولون :ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هذا أَوْ بَدِّلْهُ« 9 » كل ذلك عجزا عن الإتيان بمثله ، علمنا قصورهم عنه ، ومحال أن يقال : إنه عورض فلم ينقل فالنفوس مهتزّة لنقل ما دقّ وجلّ . وقد رأينا كتبا كثيرة صنّفت في الطعن على الإسلام قد نقلت وتدوولت « 10 » .ويمتاز القرآن على سائر المعاجز بأنّه يضمّ إلى جانب كونه معجزا جانب كونه كتاب تشريع ، فقد قرن التشريع بإعجاز ووحّد بينهما ، فكانت دعوة يرافقها شهادة من ذاتها ، دلّ على ذاته بذاته .قال العلامة ابن خلدون : اعلم أنّ أعظم المعجزات وأشرفها وأوضحها👇👇👇