دلالة القرآن الكريم المنزل على نبيّنا محمد ( صلى اللّه عليه وآله ) . . فإن الخوارق في الغالب تقع مغ…
انتشار: 2026/07/10 19:13 UTC
دلالة القرآن الكريم المنزل على نبيّنا محمد ( صلى اللّه عليه وآله ) . . فإن الخوارق في الغالب تقع مغايرة للوحي الذي يتلقاه النبيّ ويأتي بالمعجزة شاهدة بصدقه ، والقرآن هو بنفسه الوحي المدّعى ، وهو الخارق المعجز فشاهده في عينه ولا يفتقر إلى دليل مغاير له كسائر المعجزات مع الوحي ، فهو أوضح دلالة ، لاتّحاد الدليل والمدلول فيه . قال : وهذا معنى قوله ( صلى اللّه عليه وآله ) : « ما من نبيّ من الأنبياء إلّا وأوتي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر ، وإنّما كان الذي أوتيته وحيا أوحي اليّ ، فأنا أرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة » . يشير إلى أن المعجزة متى كانت بهذه المثابة في الوضوح وقوّة الدلالة ، وهو كونها نفس الوحي ، كان الصدق لها أكثر لوضوحها ، فكثر المصدّق المؤمن وهم التابع والأمة « 1 » . وقال الجاحظ : بعث اللّه محمدا ( صلى اللّه عليه وآله ) أكثر ما كانت العرب شاعرا وخطيبا ، وأحكم ما كانت لغة ، وأشدّ ما كانت عدة ، فدعا أقصاها وأدناها إلى توحيد اللّه وتصديق رسالته ، فدعاهم بالحجّة ، فلمّا قطع العذر وأزال الشبهة وصار الذي يمنعهم من الإقرار ، الهوى والحميّة دون الجهل والحيرة ، حملهم على حظهم بالسيف ، فنصب لهم الحرب ونصبوا ، وقتل من عليّهم وأعلامهم وأعمامهم وبني أعمامهم ، وهو في ذلك يحتجّ عليهم بالقرآن ، ويدعوهم صباحا ومساء إلى أن يعارضوه إن كان كاذبا ، بسورة واحدة ، أو بآيات يسيرة ، فكلّما ازداد تحدّيا لهم بها ، وتقريعا لعجزهم عنها ، تكشّف من نقصهم ما كان مستورا ، وظهر منه ما كان خفيّا ، فحين لم يجدوا حيلة ولا حجّة قالوا له : أنت تعرف من أخبار الأمم ما لا نعرف ، فلذلك يمكنك ما لا يمكننا . قال : فهاتوها مفتريات ، فلم يرم ذلك خطيب ولا طمع فيه شاعر ، ولو طمع فيه لتكلّفه ، ولو تكلّفه لظهر ذلك ، ولو ظهر لوجد من يستجيده ويحامي عليه ويكابر فيه ويزعم أنه قد عارض وقابل وناقض ، فدلّ ذلك العاقل على عجز القوم ، مع كثرة كلامهم واستجابة لغتهم ، وسهولة ذلك عليهم ، وكثرة شعرائهم وكثرة من هجاه منهم وعارض شعراء أصحابه وخطباء أمته ، لأنّ سورة واحدة وآيات يسيرة كانت أنقض لقوله ، وأفسد لأمره وأبلغ في تكذيبه ، وأسرع في تفريق اتباعه من بذل النفوس ، والخروج من الأوطان وإنفاق الأموال . وهذا من جليل التدبير الذي لا يخفى على من هو دون قريش والعرب في الرأي والعقل بطبقات ، ولهم القصيد العجيب ، والرجز الفاخر ، والخطب الطوال البليغة والقصار الموجزة ، ولهم الأسجاع والمزدوج واللفظ المنثور ، ثمّ تحدّى به أقصاهم بعد أن أظهر عجز أدناهم فمحال - أكرمك اللّه - أن يجتمع هؤلاء كلّهم على الغلط في الأمر الظاهر ، والخطأ ، المكشوف البيّن مع التقريع بالنقص ، والتوقيف على العجز ، وهم أشدّ الخلق أنفة ، وأكثرهم مفاخرة ، والكلام سيّد عملهم ، وقد احتاجوا إليه ، والحاجة تبعث على الحيلة في الأمر الغامض ، فكيف بالظاهر الجليل المنفعة ، وكما أنه محال أن يطبقوا ثلاثا وعشرين سنة ( مدة رسالته صلى اللّه عليه وآله ) على الغلط في الأمر الجليل المنفعة فكذلك محال أن يتركوه وهم يعرفون ويجدون السبيل إليه ، وهم يبذلون أكثر منه📚التمهيد في علوم القرآن، ج ٤، ص21✍الشيخ محمد هادي معرفة، 🌾🏴