( علومه العملية ) وأنتجت هاتان العنايتان : أعني قوة الفكر والادراك ورابطة التسخير عناية ثالثة عجيبة…
انتشار: 2026/07/13 19:57 UTC
( علومه العملية ) وأنتجت هاتان العنايتان : أعني قوة الفكر والادراك ورابطة التسخير عناية ثالثة عجيبة وهي ان يهيئ لنفسه علوما وإدراكات يعتبرها اعتبارا للورود في مرحلة التصرف في الأشياء وفعلية التأثير والفعل في الموجودات الخارجة عنه للانتفاع بذلك في حفظ وجوده وبقائه . توضيح ذلك : انك إذا خليت ذهنك وأقبلت به على الانسان ، هذا الموجود الأرضي الفعال بالفكر والإرادة ، واعتبرت نفسك كأنك أول ما تشاهده وتقبل عليه وجدت الفرد الواحد منه انه في أفعاله الحيوية يوسط إدراكات وأفكار جمة غير محصورة يكاد يدهش من كثرتها واتساع أطرافها وتشتت جهاتها العقل ، وهي علوم كانت العوامل في حصولها واجتماعها وتجزيها وتركبها الحواس الظاهرة والباطنة من الانسان ، أو تصرف القوة الفكرية فيها تصرفا ابتدائيا أو تصرفا بعد تصرف ، وهذا أمر واضح يجده كل إنسان من نفسه ومن غيره لا يحتاج في ذلك إلى أزيد من تنبيه وإيقاظ . ثم إذا كررت النظر في هذه العلوم والادراكات وجدت شطرا منها لا يصلح لان يتوسط بين الانسان وبين أفعاله الإرادية كمفاهيم الأرض والسماء والماء والهواء والانسان والفرس ونحو ذلك من التصورات ، وكمعاني قولنا : الأربعة زوج ، والماء جسم سيال ، والتفاح أحد الثمرات ، وغير ذلك من التصديقات ، وهي علوم وإدراكات تحققت عندنا من الفعل والانفعال الحاصل بين المادة الخارجية وبين حواسنا وأدواتنا الادراكية ، ونظيرها علمنا الحاصل لنا من مشاهدة نفوسنا وحضورها لدينا ( ما نحكي عنه بلفظ أنا ) ، والكليات الاخر المعقولة ، فهذه العلوم والادراكات لا يوجب حصولها لنا تحقق إرادة ولا صدور فعل ، بل إنما تحكي عن الخارج حكاية . وهناك شطر آخر بالعكس من الشطر السابق كقولنا : إن هناك حسنا وقبحا وما ينبغي ان يفعل وما يجب ان يترك ، والخير يجب رعايته ، والعدل حسن ، والظلم قبيح ومثل مفاهيم الرئاسة والمرؤسية ، والعبدية والمولوية فهذه سلسلة من الأفكار والادراكات لأهم لنا إلا أن نشتغل بها ونستعملها ولا يتم فعل من الافعال الإرادية إلا بتوسيطها والتوسل بها لاقتناء الكمال وحيازة مزايا الحياة . وهي مع ذلك لا تحكي عن أمور خارجية ثابتة في الخارج مستقلة عنا وعن أفهامنا كما كان الامر كذلك في القسم الأول فهي علوم وإدراكات غير خارجة عن محوطة العمل ولا حاصلة فينا عن تأثير العوامل الخارجية ، بل هي مما هيأناه نحن وألهمناه من قبل إحساسات باطنية حصلت فينا من جهة اقتضاء قوانا الفعالة ، وجهازاتنا العاملة للفعل والعمل ، فقوانا الغاذية أو المولدة للمثل بنزوعها نحو العمل ، ونفورها عما لا يلائمها يوجب حدوث صور من الاحساسات : كالحب والبغض ، والشوق والميل والرغبة ، ثم هذه الصور الاحساسية تبعثنا إلى اعتبار هذه العلوم والادراكات من معنى الحسن والقبح ، وينبغي ولا ينبغي ، ويجب ويجوز ، إلى غير ذلك ، ثم بتوسطها بيننا وبين المادة الخارجية وفعلنا المتعلق بها يتم لنا الامر ، فقد تبين أن لنا علوما وإدراكات لا قيمة لها إلا العمل ، ( وهي المسماة بالعلوم العملية ) ولاستيفاء البحث عنها محل آخر . والله سبحانه ألهمها الانسان ليجهزه للورود في مرحلة العمل ، والاخذ بالتصرف في الكون ، ليقضي الله أمرا كان مفعولا ، قال تعالى : " الذي أعطى كل شئ خلقه ثم هدى " طه - 50 ، وقال تعالى : " الذي خلق فسوى والذي قدر فهدى " الاعلى - 3 ، وهذه هداية عامة لكل موجود مخلوق إلى ما هو كمال وجوده ، وسوق له إلى الفعل والعمل لحفظ وجوده وبقائه ، سواء كان ذا شعور أو فاقدا للشعور . وقال تعالى في الانسان خاصة : " ونفس وما سواها فألهمها فجور ها وتقويها " الشمس - 8 ، فأفاد أن الفجور والتقوى معلومان للانسان بإلهام فطري منه تعالى ، وهما ما ينبغي أن يفعله أو يراعيه وما لا ينبغي ، وهي العلوم العملية التي لا اعتبار لها خارجة عن النفس الانسانية ، ولعله إليه الإشارة بإضافة الفجور والتقوى إلى النفس . وقال تعالى : " وما هذه الحياة الدنيا إلا لهو ولعب وإن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون " العنكبوت - 64 ، فإن اللعب لا حقيقة له إلا الخيال فقط ، كذا الحياة الدنيا : من جاه ومال وتقدم وتأخر ورئاسة ومرؤوسية وغير ذلك إنما هي أمور خيالية لاواقع لها في الخارج عن ذهن الذاهن ، بمعنى ان الذي في الخارج إنما هو حركات طبيعية يتصرف بها الانسان في المادة من غير فرق في ذلك بين أفراد الانسان وأحواله . فالموجود بحسب الواقع من " الانسان الرئيس " إنسانيته ، وأما رئاسته فإنما هي في الوهم ، ومن " الثوب المملوك " الثوب مثلا ، وأما انه مملوك فأمر خيالي لا يتجاوز حد الذهن ، وعلى هذا القياس .📚الميزان في تفسير القران ✍السيد محمد حسين الطباطبائي 🌾🏴

