3 - رأي عبد القاهر الجرجاني : يرى الشيخ الإمام عبد القاهر الجرجاني ( توفي سنة 471 ه ) وهو الواضع ال…
انتشار: 2026/08/17 19:18 UTCدریافت: 2026/08/17 23:03 UTCآخرین مشاهده: 2026/08/17 23:03 UTC
3 - رأي عبد القاهر الجرجاني : يرى الشيخ الإمام عبد القاهر الجرجاني ( توفي سنة 471 ه ) وهو الواضع الأوّل لأسس علميّ المعاني والبيان - : أنّ إعجاز القرآن الذي تحدّى به العرب قائم بجانب فصاحته البالغة وبلاغته الخارقة ، وبأسلوب بيانه ذلك البديع ، ممّا هو شأن نظم الكلام وتأليفه في ذلك التناسق والتلاؤم العجيب . الأمر الذي لا يمسّ شيئا من معاني القرآن وحكمه وتشريعاته ، وهي كانت موجودة من ذي قبل في كتب السالفين ، وقد أطلق لهم المعاني من أيّ نمط كانت .وقد وضع كتابيه ( أسرار البلاغة ) و ( دلائل الإعجاز ) تمهيدا لبيان وجوه إعجاز القرآن لمن مارس أسرار هذا العلم . وثلّثهما برسالته ( الشافية ) التي خصّصها بالكلام حول إعجاز القرآن والإجابة على أسئلة دارت حول الموضوع .قال - في مقدمة كتابه دلائل الإعجاز ، بعد أن أشاد بشأن النظم في الكلام وتأليفه وتنسيقه - : وإذا كان ذلك كذلك ، فما جوابنا لخصم يقول لنا : إذا كانت هذه الأمور وهذه الوجوه من التعلّق التي هي محصول النظم ، موجودة على حقائقها وعلى الصحّة وكما ينبغي في منثور كلام العرب ومنظومه ، ورأيناهم قد استعملوها وتصرّفوا فيها وكملوا بمعرفتها ، وكانت حقائق لا تتبدل ولا يختلف بها الحال ، إذ لا يكون للاسم بكونه خبرا لمبتدأ أو صفة لموصوف أو حالا لذي حال أو فاعلا أو مفعولا لفعل في كلام حقيقة هي خلاف حقيقته في كلام آخر . .. . فما هذا الإعجاز الذي تجدّد بالقرآن من عظيم مزيّة ، وباهر الفضل ،والعجيب من الوصف ، حتى أعجز الخلق قاطبة ، وحتى قهر من البلغاء والفصحاء القوى والقدر ، وقيّد الخواطر والفكر ، حتى خرست الشقاشق « 1 » وعدم نطق الناطق وحتى لم يجر لسان ، ولم يبن بيان ، ولم يساعد إمكان ، ولم ينقدح لأحد منهم زند ، ولم يمض له حدّ ، وحتى أسال الوادي عليهم عجزا ، وأخذ منافذ القول عليهم أخذا ؟. . أيلزمنا أن نجيب هذا الخصم عن سؤاله ، ونردّه عن ضلاله ، وأن نطبّ لدائه ، ونزيل الفساد عن رائه « 2 » ؟ فإن كان ذلك يلزمنا ، فينبغي لكلّ ذي دين وعقل أن ينظر في الكتاب الذي وضعناه ( يريد نفس كتاب دلائل الإعجاز ) ويستقصي التأمّل لما أودعناه . . . « 3 » .وكرّ في الكتاب قائلا : وإنّه كما يفضل النظم النظم ، والتأليف التأليف ، والنسج النسج ، والصياغة الصياغة ، ثم يعظم الفضل ، وتكثر المزيّة ، حتى يفوق الشيء نظيره والمجانس له درجات كثيرة ، وحتى تتفاوت القيم التفاوت الشديد ، كذلك يفضل بعض الكلام بعضا ، ويتقدّم منه الشيء الشيء ، ثمّ يزداد من فضله ذلك ، ويترقّى منزلة فوق منزلة ، ويعلو مرقبا بعد مرقب ويستأنف له غاية بعد غاية ، حتى ينتهي إلى حيث تنقطع الأطماع ، وتحسر الظنون ، وتسقط القوى وتستوي الاقدام في العجز . . . « 4 » .ثم قال : واعلم أنّه لا سبيل إلى أن تعرف صحّة هذه الجملة حتى يبلغ القول غايته ، وينتهي إلى آخر ما أردت جمعه لك ، وتصويره في نفسك ، وتقريره عندك ، إلّا أنّ هاهنا نكتة ، إن أنت تأمّلتها تأمّل المتثبّت ، ونظرت فيها نظر المتأنّي ، رجوت أن يحسن ظنك ، وأن تنشط للإصغاء إلى ما أورده عليك ، وهي : إنّا إذا سقنا دليل الإعجاز فقلنا : لولا أنّهم حين سمعوا القرآن ، وحين تحدّوا إلى معارضته ، سمعوا كلاما لم يسمعوا قط مثله ، وأنّهم قد رازوا أنفسهم « 1 » فأحسّوا بالعجز على أن يأتوا بما يوازيه أو يدانيه ، أو يقع قريبا منه ، لكان محالا أن يدّعوا معارضته وقد تحدّوا إليه ، وقرعوا فيه ، وطولبوا به ، وأن يتعرضوا لشبا الأسنّة « 2 » ويقتحموا موارد الموت . . .فقيل لنا : قد سمعنا ما قلتم ، فخبّرونا عنهم ، عمّا ذا عجزوا ، أعن معان من دقة معانيه وحسنها وصحّتها في العقول ؟ أم عن ألفاظ مثل ألفاظه ؟ . . فإن قلتم :عن الألفاظ ، فما ذا أعجزهم من اللفظ ، أم بهرهم منه ؟ . .فقلنا : أعجزتهم مزايا ظهرت لهم في نظمه ، وخصائص صادفوها في سياق لفظه ، وبدائع راعتهم من مبادئ آية ومقاطعها ، ومجاري ألفاظها ومواقعها ، وفي مضرب كلّ مثل ، ومساق كلّ خبر ، وصورة كلّ عظة وتنبيه وإعلام ، وتذكير وترغيب وترهيب ، ومع كلّ حجة وبرهان ، وصفة وتبيان وبهرهم أنّهم تأمّلوه سورة سورة ، وعشرا عشرا ، وآية آية ، فلم يجدوا في الجميع كلمة ينبو بها مكانها ولفظة ينكر شأنها ، أو يرى أنّ غيرها أصلح هناك أو أشبه ، أو أحرى وأخلق ، بل وجدوا اتساقا بهر العقول ، وأعجز الجمهور ، ونظاما ، والتئاما ، وإتقانا وإحكاما ، لم يدع في نفس بليغ منهم لوحك بيافوخه السماء « 3 » موضع طمع ، حتى خرست الألسن عن أن تدّعي وتقول وخلدت القروم « 4 » . فلم تملك أن تصول👇👇👇

