الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ« 1 » تنبيها أن تأليفه ليس على هيئة نظم يتعاطاه ال…
انتشار: 2026/08/22 20:14 UTCدریافت: 2026/08/22 22:59 UTCآخرین مشاهده: 2026/08/22 22:59 UTC
الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ« 1 » تنبيها أن تأليفه ليس على هيئة نظم يتعاطاه البشر ، فيمكن أن يزاد فيه كحال الكتب الأخر .فإن قيل : ولم لم يبلغ بنظم القرآن الوزن الذي هو الشعر ، وقد علم أن للموزون من الكلام مرتبة أعلى من مرتبة المنظوم غير الموزون ، إذ كلّ موزون منظوم وليس كلّ منظوم موزونا ؟قيل : إنما جنّب القرآن نظم الشعر ووزنه لخاصيّة في الشعر منافية للحكمة الإلهيّة ، فإن القرآن هو مقر الصدق ، ومعدن الحق . وقصوى الشاعر : تصوير الباطل في صورة الحق ، وتجاوز الحدّ في المدح والذم دون استعمال الحق في تحرّي الصدق ، حتى إن الشاعر لا يقول الصدق ولا يتحرى الحق إلّا بالعرض . ولهذا يقال : من كانت قوّته الخيالية فيه أكثر كان على قرض الشعر أقدر . ومن كانت قوّته العاقلة فيه أكثر كان في قرضة أقصر . ولأجل كون الشعر مقرّ الكذب نزّه اللّه نبيّه ( عليه السّلام ) عنه لما كان مرشحا لصدق المقال ، وواسطة بين اللّه وبين العباد ، فقال تعالى :وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَما يَنْبَغِي لَهُ« 2 » فنفى ابتغاءه له .وقال :وَما هُوَ بِقَوْلِ شاعِرٍ« 3 » أي : ليس بقول كاذب . ولم يعن أن ذلك ليس بشعر فإن وزن الشعر أظهر من أن يشتبه عليهم حتى يحتاج إلى أن ينفي عنه .ولأجل شهرة الشعر بالكذب ، سمّي أصحاب البراهين والأقيسة المؤدية في أكثر الأمر إلى البطلان والكذب شعرية ، وما وقع في القرآن من ألفاظ متزنة فذلك بحسب ما يقع في الكلام على سبيل العرض بالاتفاق وقد تكلم الناس فيه .وأمّا الإعجاز المتعلّق بصرف الناس عن معارضته : فظاهر أيضا إذا اعتبر ، وذلك أنه ما من صناعة ولا فعلة من الأفعال محمودة كانت أو مذمومة ، الّا وبينها وبين قوم مناسبات خفية ، واتفاقات إلهية بدلالة أن الواحد يؤثر حرفة من الحرف فينشرح صدره بملابستها ، وتطيعه قواه في مزاولتها فيقبلها باتساع قلب ،ويتعاطاها بانشراح صدر ، وقد تضمن ذلك قوله تعالى : لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً « 1 »وقول النبي ( صلى اللّه عليه وآله ) « اعلموا فكل ميسر لما خلق له » « 2 » .فلما رئي أهل البلاغة والخطابة الذين يهيمون في كل واد من المعاني بسلاطة ألسنتهم ، وقد دعا اللّه جماعتهم إلى معارضة القرآن ، وعجزهم عن الاتيان بمثله ، وليس تهتزّ غرائزهم البتة للتصدي لمعارضته لم يخف على ذي لب أن صارفا الهيا يصرفهم عن ذلك . وأي إعجاز أعظم من أن تكون كافة البلغاء مخيّرة في الظاهر أن يعارضوه ، ومجبرة في الباطن عن ذلك . وما أليقهم بإنشاد ما قال أبو تمام : فإن نك أهملنا فأضعف بسعينا * وإن نك اجبرنا ففيم نتعتع واللّه ولي التوفيق والعصمة📚التمهيد في علوم القرآن، ج 4، ص50✍ الشيخ محمد هادي معرفة، 🌾🌾🍀🍀
