تحذير استراتيجي إلى السعودية والخليج: لا تشتروا هدوء الحوثي بثمن ضياع اليمنالدكتور موسى العَفري أخط…
انتشار: 2026/08/17 23:51 UTCدریافت: 2026/08/22 02:59 UTCآخرین مشاهده: 2026/08/22 02:59 UTC
تحذير استراتيجي إلى السعودية والخليج: لا تشتروا هدوء الحوثي بثمن ضياع اليمنالدكتور موسى العَفري أخطر وهم استراتيجي كان الاعتقاد أن بالإمكان ترك عصابة الحوثي تلتهم اليمن بشرط ألا يطلق صواريخه على السعودية والخليج. لسنوات، جرى التعامل مع هدوء الحدود وكأنه إنجاز قائم بذاته، بينما كانت الجماعة في الداخل تراكم السلاح والمال والمؤسسات وشبكات السيطرة. لكن ما يحدث اليوم يثبت أن الحرب داخل اليمن وأمن السعودية والخليج ملف واحد لا ملفان. من يترك جماعة وعصابة مسلحة تبني دولة حرب على حدوده لا يستطيع أن يضمن أن تبقى بنادقها موجهة إلى الداخل إلى الأبد، بل قد تظهر في العمق الخليجي.السعودية والخليج لا يحتاجون إلى يمن لا يطلق عليها الصواريخ فقط؛ يحتاجون إلى يمن لا توجد فيه أصلاً قوة فوق الدولة قادرة متى شاءت أن تقرر الحرب والسلم. فالتخدير الحقيقي هو أن تقبل بوحش يكبر خلف الجدار لأن الوحش يعضك اليوم بشكل جزئي وغدا سوف ينقض عليك بشكل كلي. والمشكلة أن ما جرى في يوليو وأغسطس 2026 أثبت أن الجدار نفسه لم يعد موجودًا.وهذا، في رأيي، أقوى من سردية الحوثي خطر مستقبلي يهدد وجود الدولة السعودية ذاتها، لأن الخطر لم يعد مستقبليًا فقط، بل بدأ يتحول مجددًا إلى تهديد مباشر للمملكة ولصادراتها وممراتها البحرية. ولهذا فإن دعم الحكومة الشرعية لا ينبغي أن يبقى مجرد رواتب ومساعدات واحتواء للأزمات. فالسعودية نفسها تؤكد استمرار دعم ميزانية الحكومة اليمنية، وتوفير المشتقات النفطية، وتمويل مشروعات التنمية، كما يجري منذ مطلع 2026 مسار مدعوم سعوديا لإعادة تنظيم وتوحيد القوات العسكرية والأمنية في مناطق الحكومة. لكن المرحلة الحالية تحتاج إلى ما هو أعمق: تحويل الشرعية من مجموعة قوى متجاورة إلى دولة فعلية؛ توحيد المؤسسة العسكرية والقيادة، وتوحيد القرار المالي، وإنهاء اقتصادات القوى والمكونات داخل مؤسسات الدولة، وبناء إدارة قادرة على تقديم الخدمات واستعادة ثقة المواطن في المناطق المحررة.وفي الجانب العسكري، لا يكفي انتظام الرواتب وإعادة ترتيب الوحدات. المطلوب تحديث نوعي لقدرات الدولة اليمنية الدفاعية والتكنولوجية، خصوصا في مجالات الاستطلاع والمراقبة الرقمية، والطائرات غير المأهولة لأغراض الاستطلاع والحماية، والإنذار المبكر، والدفاع الجوي ومواجهة الصواريخ والطائرات المسيّرة، وحماية الموانئ والمنشآت الحيوية والممرات البحرية. فالتهديد الحوثي نفسه أصبح يعتمد بصورة متزايدة على الصواريخ والمسيّرات والقدرات البحرية، وقد عادت هذه القدرات في الأسابيع الأخيرة لتهديد السعودية والملاحة في البحر الأحمر مباشرة. المفارقة الاستراتيجية هي أنه لا يمكن مطالبة الدولة اليمنية بمواجهة جماعة مسلحة تمتلك قدرات صاروخية ومسيّرات ومنظومات عسكرية متطورة، ثم ترك قوات الدولة تقاتل بأدوات حرب تقليدية ومؤسسات مجزأة. إعادة التوازن لا تعني فقط المزيد من السلاح؛ بل بناء جيش دولة موحد يمتلك المعرفة والتكنولوجيا والقيادة والقدرة الدفاعية اللازمة لحماية أراضيه. ومن منظور الأمن السعودي والخليجي نفسه، فإن الاستثمار في قدرة الدولة اليمنية على حماية أراضيها اليوم أقل كلفة بكثير من اضطرار المملكة والخليج إلى حماية حدودها وانظمتها السياسية ومنشآتها من الخطر ذاته غدا. لا تشتروا هدوء الحدود والسماء بثمن ضياع الدولة اليمنية؛ فالقوة التي يُسمح لها اليوم بأن تتحول إلى دولة حرب داخل اليمن قد لا تضطر دول الخليج إلى مواجهتها على الحدود غدًا فحسب، بل قد تجد امتدادات تهديدها داخل العمق الخليجي نفسه. بناء دولة يمنية قادرة اليوم ليس إحسانًا إلى اليمن، بل استثمار مباشر في الأمن القومي السعودي والخليجي.الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي الكاتب بصفته الشخصية والبحثية، ولا تمثل بالضرورة موقف أي مؤسسة ينتمي إليها@yelov